أحمد بن علي القلقشندي
106
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اللذات جملة - إذ لا بد لكل أحد من ذوي الرتبة العلية من الأخذ بنصيب منها ، لما جبلت عليه الطبائع من الميل إليها والرّغبة في الاستمتاع بالنعم والملاذ ولكل منها حظ يضاهي رتبته . وأهل هذه الصنعة لا ختلاطهم بالملوك ومشاركتهم لهم في آدابهم لا غنى بهم عما يقيم مروءاتهم من اللذات المشابهة لأقدارهم ومواضعهم من السلطان . النوع الثاني حسن العشرة - التي هي من أفضل الخلائق الموجودة في الغرائز طبعا والحاصلة بالتخلق تكسبا وتطبعا ، وأعونها لمصالح الحياة والمعاش ومحبة الخاصة والعامّة وحصول الثناء والشكر والمودّة من الأفاضل والأخيار ، وكفاية الأراذل الأشرار ، وإن لم يلتزمها الكاتب طوعا حمل عليها كرها . واعلم أن أدب المعاشرة على خمسة أضرب . الضرب الأوّل عشرة الملوك والعظماء قال عليّ بن خلف ( 1 ) : ولا يقوم بآدابها وأكمل رسومها إلا من علت في الأدب درجته ، وسمت في رجاحة العقل منزلته ، وتميّز بغريزة فاضلة وأدب مكتسب ، وصبر على المشاقّ في التحلَّي بالهمم الشريفة ، والسموّ إلى المنازل اللطيفة ، من عز السلطان ومساعدة الزمان ، وتمكَّن من تصريف النّفسين الحيوانية والشهوانية على أغراض الناطقية ( 2 ) ومطاوعتها ، وأخذهما بقبول ما ترشد إليه وتبعث عليه ؛ لأن صحبة السلطان أمر عظيم وصاحبه راكب خطر
--> ( 1 ) سبق التعريف به في الصفحة 66 هامش 3 . ( 2 ) أي من غلَّب ميوله الفكرية والعقلية على ميوله الغرائزية والشهوانية .